تعيش غزة وأهلها عقابا جماعيا، بل إبادة وحشية، لا ماء ولا غذاء ولا كهرباء، مُنع وصول الأغذية والوقود والتجهيزات الأساسية وكل ما يساعد على حياة أدامية لسكان هذا القطاع، حصار وصفته جماعات حقوقية بأنه لا إنساني، وأنه الأسوأ منذ 1967.
مليون ونصف المليون سجنوا داخل أسوار هي في حقيقتها سجن وسجانون مدججون على أبوابه، معابر مغلقة، قتل وقصف يومي نال كل الأعمار والأجناس، واقع من الصعب أن يتحمله إنسان على وجه الأرض.
يعيش سكان غزة حياتهم تقريبا، دون ماء أو كهرباء أو وقود، ليحكم عليهم بالقتل البطئ، وأعادت مشكلة انقطاع التيار الكهربائي وغلاء الوقود والأسعار، سكان القطاع إلى أكثر من نصف قرن إلى الوراء، بعد أن باتوا يستخدمون مواقد النار في عمليات الطهي والتدفئة، ودأبت العائلات الفقيرة – وهي كثيرة خاصة في المخيمات والبلدات الريفية – مؤخرا على تشييد أفران الطين وسط بعض الأحياء السكنية أو على أسطح بعض المنازل لاستخدامها في تدبير الأعمال المنزلية.وشهد العام الماضي انخفاضا غير مسبوق في مجمل أنشطة الاقتصاد الوطني الفلسطيني ومستويات معيشة سكان غزة، مقارنة مع طبيعة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في العالم.
وأورد التقرير الصادر عن معهد دراسات التنمية الفلسطيني أن الإحصاءات الرسمية أظهرت أن ما يزيد على 87% من أسر القطاع تعيش تحت خط الفقر، وأن نحو 70% منهم يعيشون في فقر مدقع نتيجة الحصار وعدم انتظام دفع رواتب الموظفين، وأن نحو 83% من الأسر خفضت نفقاتها خلال العام السابق مقارنة مع نسبة 52% من الأسر في العام الذي سبقه.وأشار التقرير إلى نتائج مسوح القوى العاملة في العام الماضي التي أظهرت أن 52% من الشباب متعطلون عن العمل وأن هذه الفئة من "15 إلى 24 عاما" في ازدياد مرتفع منذ عام 2000. وتوشك غزة على أن تصبح المنطقة الأولى في العالم التي يتم جرها بشكل متعمد إلى حالة من الفقر المدقع وذلك بمعرفة وإطلاع، وحسب قول البعض، بتشجيع المجتمع الدولي.وقد مرت عملية الضغط على سكان غزة بثلاثة منعطفات رئيسية بدأت بإعلان نتائج الانتخابات التي تمت عام 2006، تلاها سيطرة حماس على القطاع، ثم القرار الذي اتخذته إسرائيل بعد ذلك بالإعلان عن غزة على أنها "منطقة معادية".إن إغلاق حدود غزة يعتبر أمرا غير مسبوق.
ويتعرض الفلسطينيون هناك لاحتجاز فعلي لدرجة أن الغالبية الساحقة منهم لا يستطيعون مغادرة القطاع أو الدخول إليه.وبدون وقود أو حتى قطع الغيار، فإن ظروف الصحة العامة تشهد تدهورا ساحقا فيما تناضل خدمات المياه وخدمات تعزيز الصحة العامة من أجل البقاء في وضع التشغيل.
علاوة على ذلك، فإن التيار الكهربائي يتم تزويده بشكل متقطع، وقد انخفض ذلك التزويد بشكل أكبر مع انقطاع تزويد الوقود خلال الأيام الماضية. ووفقا لتقارير اليونيسف، فإن التشغيل الجزئي لمحطة الضخ الرئيسية لمدينة غزة يؤثر على توفير مياه الشرب الآمنة لحوالي 600 ألف فلسطيني. فهل ترى أن ذلك الحصار حصارأ ظالما من عدو جائر، أم أنه يحق لإسرائيل أن تدافع عن كيانها وأمنها بهذا الحصار المفروض على القطاع؟.
موقف الحكومات العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
للأسف الشديد لم نرى موقفا محددا ووحدا للحكومات العربية في تعاملها مع غزة، فالجميع ترك الأمر بلا أهمية، هذا إذا أعتبرنا أن التصريحات لها أهمية.
فالجميع ينظر له بدهشة أحيانا، وآخرون يكلمونه وهو بالطبع لا يسمع أحيانا، والأغلب لا يعيرونه أهتماما، فكذلك كانت الحكومات العربية من غزة وتحديدا من القضية الفلسطينية بأكملها.
ومن المثير للدهشة عدم وجود تحرك لمساعدة الفلسطينيين الذين كسروا السياج الحدودي مع مصر، بعد ان فاض بهم الكيل واوشكوا علي الهلاك، وفقا لما ذكروه في تلك الاثناء.
ومن المثير للدهشة والشفقة في آن واحد عدم تحرك أي عربي واحد لمساعدة الفلسطينيين الذين كسروا الحدود بين مصر وبينهم بلا أكتراث، فكل الشجب والإنكار وأموال وثروات الخليج وتبرعات الكويت لاعصار كاترينا بـ500 مليون دولار وتبرعات قطر بـ 80 مليون دولار وتبرعات الوليد بن طلال لبرج التجارة العالمي وكل هذه الملايين من الدولارت التى تساوى ثروات لبلدان، لم يتم توجيه 1% من هذه التبرعات لفلسطين.
وما يدعوا للتعجب أن الجميع وقف فلم نسمع عن جسر جوي قادم من قطر ولا من الكويت ولا من الخليج ولا من أي مكان، اللهم إلا تبرعات داخلية من بعض المصريين وبعض الجمعيات الخيرية.
وبالنسبة لموقف الحكومة المصرية، فبعد الاحراج الذى سببه تدفق الأخوة من غزة إلى مصر، كان لابد وأن تسمح لهم مصر بالدخول إليها، فسمحت بهذا التدفق لوقف مزيد من الاحراج، وفتحت زراعيها بالترحيب للأهل في غزة، وتحججت بقلة عدد القوات المصرية على الحدود لمنع تدفقهم، ولكن التعليق الأخير "الساخر التهكمي" من أحمد أبو الغيط وزير الخاريجة، بأنه "سيكسر رجل" من يدخل مصر عنوة، أفقد مصر الكثير مما قدمته.
وباتفاق مع وفد من حركة حماس أغلقت مصر كل الثغرات في السور الحدودي مع قطاع غزة، وعاد أهل غزة إلى الحصار الخانق مجددا، ودون التوصل إلى اتفاق محدد حول الصورة التي سيكون عليها المعبر في الأيام المقبلة.
فهل كان موقف الحكومات العربية هو ما توقعه غالبية المواطنون، أم كان هناك بالفعل ما يمكن تقديمه ولكن الضغوط الأمريكية حالت دون ذلك؟.
فتح وحماس
ـــــــــــــــــ
عندما انقطعت العلاقة بين حماس وفتح بسقوط مئات القتلى من الجانبين، لم يعلم أحد يقينا، هل كانت حرب أهلية، أم قتال داخلي، أم هو صراع من أجل البقاء.
ويدرك الفلسطينيون المتواجدون علي أرض الواقع، أن حكومتهم ليست حكومة، وأن سلطتهم ليست دولة، وبالتالي فهم يستغربون - وهذه أقل كلمة يمكنهم قولها - كيف تتصارع الفصائل على الحكم، والحكم أصلا وواقعا بيد الاحتلال، ويتشبثون بمناصب ومراكز لا تحمل من الحكومة والسلطة سوى الاسم.
ويشعر فلسطينيون بأن كلا من "فتح" و"حماس" قد فشلتا في تجربة الحكم، وكانت النتيجة هي الحصار والمقاطعة الاقتصادية والسياسية لحكومة "حماس"، عربيا ودوليا.
إن القضية عائمة فنحن لا نعلم من مع من، ومن ضد من، حتى بداخل الأسوار الفلسطينية، ولنا أن نتخيل أن معتقلات إسرائيل تمتلئ برجال من حماس وفتح في حين أن القادة في الخارج يتناحرون.فما هو موقفك مما يحدث من كلا الجانبين، ومن منهما تراه على صواب؟.
المجتمع الدولي
ـــــــــــــــــــــ
تشير تقارير حقوقية إلى أن الحاجة إلى أن يقوم المجتمع الدولي بالتحرك صوب استعادة الأوضاع الطبيعية في غزة لم تكن يوما بهذا القدر من الإلحاح. ويتبني البعض وجهة نظر مفادها ان المجتمعات التي تفتقر إلى الرعاية الصحية الجائعة والغاضبة، لا يمكن أن تنتج شركاء جيدين من أجل السلام.
ويرى محللون أن الممارسات التي يقوم بها الاحتلال في إغلاق القطاع وتجويعه هي حرب حياة أو موت، ولا تقل في خطورتها عن جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والتدمير الشامل.
والمطلوب من المجتمع الدولي الخروج عن صمته، والقيام بواجباته الأخلاقية والقانونية تجاه السكان المدنيين في القطاع، وتوفير حاجاتهم الأساسية، والحماية الدولية لهم ولممتلكاتهم، والعمل على تحريرهم من سجن يعد هو الأكبر في تاريخ الانسانية من حيث المساحة وعدد السجناء، وأن لا تترك بواباته خاضعة لتصرف السجان ليقتل ويجوع ويدمر.
السبت، يونيو 21، 2008
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)